حبيب الله الهاشمي الخوئي
199
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
النّاس بغتة وهم في أسواقهم وطلب معايشهم ، فإذا سمعوا صوت الصّور تقطعت قلوبهم وأكبادهم من شدّته فيموتوا دفعة واحدة ، فيبقى الجبّار جلّ جلاله فيأمر عاصفة فتقطع الجبال من أماكنها وتلقيها في البحار ، وتفور مياه البحار وكلَّما في الأرض وتسطح الأرض كلَّها للحساب ، فلا يبقى جبل ولا شجر ولا بحر ولا وهدة ولا تلعة ، فتكون أرضا بيضاء حتّى أنّه روي لو وضعت بيضة في المشرق رأيت في المغرب . وإلى ذلك أشار بقوله ( فيصير صلدها سرابا رقرقا ) أي يصير صلبها مثل السّراب المترقرق المتحرّك . ( ومعهدها قاعا سملقا ) أي ما كان منها معهدا للنّاس ومنزلا لهم أرضا خالية صفصفا مستوية ليس للجبل فيها أثر . وقد أشير إلى هذين في قوله تعالى * ( ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً ولا أَمْتاً ) * وفي قوله * ( وبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) * وقوله * ( يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبالُ وكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا ) * وقد مضى تفسير هذه الآيات وجملة ممّا ينفع في هذا المقام في شرح الفصل الثالث من الخطبة المأة والثامنة ، هذا . ولمّا ذكر جملة من أهوال يوم القيامة وأفزاعها وشدائدها رتّب على ذلك قوله ( فلا شفيع يشفع ولا حميم يدفع ولا معذرة تنفع ) تنبيها بذلك على أنه لا ملجأ من أهاويلها ولا منجا ترغيبا به على ملازمة التقوى الَّتي هي الغرض الأصلي من سوق هذا الفصل والنتيجة لتمهيد تلك المقدّمات لأنّها المعاذ والملاذ والملجاء والمنجا من هذه الأهاويل القائدة للاخذ بها والملازم عليها إلى أكنان الدّعة وأوطان السّعة وغرفات الجنان ومنازل الرّضوان كما قال تعالى * ( وأَنْذِرْ بِه الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِه وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * وقد أشير إلى عدم الشفيع والحميم في قوله تعالى في سورة الشعرا * ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ . وبُرِّزَتِ . الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ) * إلى قوله حكاية عن الغاوين * ( فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ . ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) *